Actions

Work Header

ظلٌّ من الماضي

Summary:

توقّف روهان في مكانه ولم يتحرّك،
ذلك الوجه..

كانه نداءٌ من زمنٍ آخر، من أيامٍ لم يكن يظن أنها ستعود،

شعرٌ داكنٌ أطول قليلاً مما يتذكره وعينان ما زالتا تحملان ذلك البريق اللامع.

جوسكي..

Notes:

(See the end of the work for notes.)

Work Text:

كانت طوكيو تلمع في ليلها الطويل كبحرٍ من الأضواء لا يعرف السكون،
السماء ملبّدة بالغيوم، والمطر ينحدر على الزجاج كحبرٍ يسيل فوق صفحةٍ بيضاء.


في شارعٍ ضيّقٍ تتزاحم فيه اللافتات المضيئة، خرج روهان كيشبي من مبنى مكتب مدققي المانجا وقد أثقلته الساعات التي قضاها في العمل،
كان الليل متأخّراً، والمكاتب من حوله غارقة في الصمت.
أغلق روهان باب المبنى خلفه، ووقف لحظةً يستمع إلى وقع المطر على الأرض، ثم رفع ياقة معطفه الكحلي ومضى في طريقه بخطواتٍ بطيئة.

طوكيو لا تشبه موريوه في شيء،
هنا كان كلّ شيء أكبر وأسرع وأكثر صخب… ومع ذلك...
منذ رحيل روهان عن تلك البلدة الصغيرة لم يتّصل بأحد، ولم يكتب رسالةً واحدة ولا حتى لكويتشي..لقد أراد أن يبدأ من جديد وأن يتفرّغ لفنّه دون أن يثقل قلبه بذكريات لا فائدة لها.
إلا أنّ الذاكرة لا تُمحى بقرار بسيط، ولا الماضي يُدفن بسهولةٍ في دفتر رسم مغلق.

اشتد المطر على روهان حين مرّ من عند مفترق الطريق، فأخرج مظلّته السوداء بينما ينظر الى حذاءه المبلل.


وما إن رفعها، حتى لمحت عيناه هيئة طويلة وقادمة من الجهة المقابلة تحت ضوء خافت ينعكس على ارض الشارع المبلل.


كانت الخطوات مألوفة… طريقة المشي وانحناءة الكتفين وحتى ملامح الوجه التي بدأت تتضح كلّما اقترب.

 

توقّف روهان في مكانه.


رفع الظلّ القادم من بعيد رأسه بدوره وتجمّد في منتصف الطريق كما لو أنّ الوقت انكمش بينهما فجأة.

ذلك الوجه…

كانه نداءٌ من زمنٍ آخر، من أيامٍ لم يكن يظنّها ستعود.

شعرٌ داكنٌ أطول قليلاً مما يذكره، وعينان ما زالتا تحملان ذلك البريق الحيّ ذلك المزيج بين الحماقة والدفء.

 

جوسكي..

 

مرّت لحظاتٌ ثقيلة لا يُسمع فيها سوى صوت المطر وهو يرتطم بالشارع.
كلاهما لم يعرف ماذا يقول، أو إن كان ينبغي أن يقول شيئاً.


تبادل النظرات للحظة، ثم أشاح روهان بوجهه.

اقترب جوسكي بخطواتٍ متردّدة، وعيناه لا تفارقان وجه روهان الوسيم.
كان يرتدي معطفاً رمادياً بسيطاً، تتدلّى من جيبه بطاقةٌ جامعية مبلّلة.
وحين صار على بُعد خطواتٍ قليلة من روهان..

 

قال بصوتٍ خافت " روهان؟"

 

لم يُجبه روهان مباشرة.
ظلّ ينظرالى الشارع لعدة ثواني ثم أجاب "جوسكي..لم أتوقع أن أراك في طوكيو"

ابتسم جوسكي ابتسامةً باهتةً لا تُشبه تلك التي كان يطلقها في موريو "ولا أنا، لم أكن أعلم أنّك هنا"

أجاب روهان، وعيناه شاردتان نحو الأفق المضيء بأنوار لوحات الشارع "غادرتُ منذ أعوام، العمل فرض عليّ الرحيل والنجاح لا ينتظر من يتردد"

صمتٌ آخر نزل بينهما، كان أثقل من المطر.


تبادل النظرات مرةً ثانية، وفي قلب كلٍّ منهما سؤالٌ لم يُقال.
هل فات الأوان على الحديث؟ أم أنّ بعض العلاقات لا تموت مهما طال الغياب؟

رفع جوسكي يده كأنه يريد أن يمدها لروهان ولكنه تردد.

لكنّ الكلمات أفلتت منه على أيّ حال "كنتُ أظنّ… أنك نسيتنا جميعاً."

ردّ روهان وكأنّ الحقيقة خرجت رغماً عنه "لم أنسى... حتى لو أردت ذلك". انحرف المطر قليلاً بهواء بارد جعل جوسكي وروهان يقتربان لبعضهما أكثر.

قال جوسكي "أتعلم؟ ثَمّة مقهى قريب من هنا! لعلّنا نحتمي من المطر… ونتحدّث قليلاً"

نظر إليه روهان طويلاً، وفي عينيه بقايا تردّد "حسنا"

 

كان المقهى صغيراً في زاوية شيبويا وحوله مصابيح صفراء باهتة وتفوح منه رائحة البنّ والشاي.

جلس روهان عند الطاولة القريبة من النافذة، ووضع مظلّته إلى جواره، وكان شعره الأخضر مبلل. ثم جلس جوسكي أمامه وما زال في عينيه الزرقاء شيءٌ من الدهشة والارتباك، وكأنّه لم يصدّق بعد أنّهما يجلسان متقابلين بعد كل تلك السنوات.

بينهما صمتٌ طويل، لا يقطعه سوى صوتا المطر والناس حولهم.
كان كلاهما يبحث عن الكلمات في داخله، يبحث عن شيءٍ آمنٍ لقوله دون أن يُظهر ما يختبئ خلفه من شوق أو ندم.

أخيراً، تنهد جوسكي بعمق "يبدو أنك صرت مشهوراً أكثر يا روهان" ثم ابتسم "رأيتُ عملك الجديد على التلفاز قبل أشهر.. الأنمي الذي اقتبس قصصك"

حرّك روهان أصابعه فوق كوب القهوة الذي لم يذق منه بعد، ثم قال "الشهرة لا تغيّر كثيراً مما في الداخل يا جوسكي"

أومأ جوسكي برأسه ببطء، وفي عينيه احترامٌ لم يعبر عنه، ثم قال محاولاً أن يخفّف جوّ الجديّة الذي خيّم بينهما "مع ذلك، لا أنكر أنّ الحلقات كانت ممتعة! إحدى الشخصيات تذكّرني بك تماماً، بطريقة الكلام تلك..وبالغرور أيضاً"
ضحك بخفّةٍ خجولة، وكأنه اعتذر عن جرأته بعد نطقه.

رفع روهان حاجبيه "ظننتُ أنّك لا تزال تبغض غروري"

ضحك جوسكي "لم أعد الصبيّ ذاته الذي يغضب من كلّ كلمة، لقد مضت أعوام كثيرة يا روهان"

ساد الصمت مرةً أخرى، لكن هذه المرّة بدا أكثر دفئاً.

قال روهان بعد برهةٍ، وهو يحدّق في وجه جوسكي "تبدو مختلف وأكثر هدوء.. سمعتُ أنّك تدرس الطب"

ارتسمت على وجه جوسكي ابتسامةٌ فخرٍ "نعم! دخلتُ كلية الطب في جامعة طوكيو منذ ثلاث سنوات، أردتُ أن أكون طبيباً كما كانت تقول والدتي دوماً"

 


كان بينهما الآن حديثٌ بسيطٌ في ظاهره، لكنه يُعيد شيئاً دفيناً إلى الحياة... إحساسٌ بالسكينة وبالاطمئنان.

 

ألقى روهان نظرةً عبر الزجاج، فرأى المطر خفّ قليلاً، وشارع طوكيو يغتسل تحت الضوء "لم أتوقّع أن يحدُث هذا اللقاء. ظننتُ أن موريو انتهت، وأنّ كلّ من فيها صار مجرّد ذكرى"

قال جوسكي، وهو يراقب بخار القهوة يتلاشى في الهواء "بعض الذكريات لا تنتهي يا روهان.. هي فقط تنتظر أن نلتفت إليها"

رفع روهان عينيه نحوه للحظةٍ تلاقت أعينهما

ندمٌ وامتنانٌ متأخر وإحساسٌ بأنّ هذا اللقاء لم يكن صدفة على الإطلاق.

 

طال حديثهما حتى انحنت عقارب الساعة نحو منتصف الليل.


كان المقهى شبه خالٍ، والموسيقى المنبعثة من مكبّرٍ صغيرٍ في الزاوية بالكاد تُسمع. بخار القهوة تلاشى، ودفء المكان بدأ يخفت، لكنّ شيئاً في الجوّ أبقى النور مشتعلاً بينهما.


تذكّرا موريوه كما يتذكّر البالغ طفولته، بضحكات وحنين.


تحدّث جوسكي عن أوكاياسو الذي ما زال لا يفرّق بين الجدّ والمزاح، وعن كويتشي الذي أصبح أكثر حكمةً مما يحتمل سنّه، وعن يوكاكو التي افتتحت صالوناً صغيراً في أطراف المدينة.
كان يضحك وهو يروي التفاصيل، يحرّك يديه بعفويّته القديمة، والذكريات تتراقص بين كلماته كأضواءٍ صغيرةٍ في ليلٍ بعيد.

روهان بدوره كان ينصت وفي كلّ ضحكةٍ من جوسكي ويسمع صدى زمنٍ ظنّه اختفى. كان يبتسم دون أن يشعر، لم يكن يريد أن يعترف حتى لنفسه بأنّ شيئاً في هذا اللقاء قد أعاده له الحياة.

لكنّ الوقت يمضي، والليل بدأ يثقل على المدينة.

نظر روهان إلى ساعته "يبدو أنّ علينا المغادرة.لقد تأخر الوقت"

هزّ جوسكي رأسه ببطء، وكأنّه لا يريد أن يسمع تلك الجملة وأجابه بعد لحظةٍ من الصمت "نعم.. لكنّني كنت أتمنّى لو طال الحديث قليلاً بعد"


نهضا من مكانيهما وحين فتح جوسكي الباب، كان المطر قد توقّف والهواء البارد ما زال يحمل رائحة الشتاء والليل. وقفا أمام المقهى، وكلٌّ منهما يشيّع الآخر بنظراتٍ متردّدة ولم يقل أحدهما ما كان يريد قوله، فالكلمات خانتهما كما خانتهما السنوات.

كان في عيني جوسكي سؤالٌ لا يُقال، وفي عيني روهان جوابٌ يخشاه.

أخيراً قال جوسكي "هل لي برقم هاتفك؟"

توسعت عينا روهان ثم نظر إليه طويلاً قبل أن يمدّ يده. أخذ هاتف جوسكي من بين أصابعه وكتب ثم أعاد إليه الهاتف وقال "اتصل إن احتجتَ شيئا"

لم يجب روهان فقد كان ينظر إلى الأرقام على الشاشة كما لو أنّها مفتاحٌ لبابٍ كان موصداً منذ زمن ثم رفع عينيه، وفي لحظةٍ لم يتوقّعها أحد..

 

مدّ جوسكي ذراعه اليسرى وقام بسحب جسد روهان إليه بينما يمسك المظلة بيده الاخرى ليحميهما من المطر.

 

تجمّد روهان في البداية..شعر روهان بأنّ صدر جوسكي العريض يحتضنه كما لو أنّه يريد أن يخبّئه من العالم وأنّ أنفاس جوسكي تختلط بأنفاسه.
لم يتحرّك، لم يقاوم، كأنّ شيئاً في داخله تلاشى أمام تلك اللحظة.

همس جوسكي قريباً من أذنه "لن أتركك تبتعد ثانية، ليس بعد أن وجدتك"

أغمض روهان عينيه للحظةٍ قصيرةٍ، كأنّ تلك الكلمات اخترقت شيئاً ظلّ مغلقاً طويلاً في صدره. ثم حين ابتعد جوسكي ببطئ ولم يقل شيئاً. نظر الى روهان نظرةً طويلةً صامتةً تحمل أكثر مما قد يعبر عنه اللسان.


"إلى اللقاء" قال كلاهما.

 

ثم في مساء ليلة اخرى بعد سنة، هطل المطر على طوكيو كما في تلك الليلة القديمة.

لكن هذه المرّة كانا يسيران معًا تحت مظلّةٍ واحدة.

Notes:

1- josuhan arab shippers where are you..
2- I asked the Arabic translator at my company to help me with this lol